عندما نقّب فرويد في تركيبة النفس البشرية، وبحث عن دعائم سلوكية تُحدِّد السيرورات النفسية التي تنعزل عن الانفعالات الشعورية، اكتشف أنّ سمة الشعور السيكولوجي تتماهى بين النفسي والتوجيهي، أي السلوكي، وينضبط في المراحل الأولى لتكوين الإنسان، أي في طفولته المبكرة، مؤكّداً أنّ التجارب والدوافع المكبوتة في مراحل الطفولة تترك آثاراً عميقةً في تكوين الشخصية، وقد تجد لها لاحقاً مسارب في السلوك والإبداع ومختلف أشكال التعبير.
أداة الجريمة جائزة فيلم سينمائي
تبدأ القصة بجريمة، مقتل جيك بريتشارد، وصديقه رايان يستعد لملاقاة الشرطة والصدمة طاغيةٌ على ملامحه، وهو يحمل أداة الجريمة بيده، وهي الجائزة التي فاز بها جيك منذ سنواتٍ عن فيلمٍ سينمائي من كتابته، لكنّ رايان، على رغم من الصدمة، لا يقرّ بأنّه القاتل، فهو صديقه الحميم الذي كان بمثابة أخٍ له.
تنتقل بنا هوكنز إلى إيدي، زوجة جيك، التي كانت في تلك الأثناء تتمدّد بتراخٍ وكسلٍ على أريكة رايان الوثيرة، في شقته التي تشرف على مناظر مسبلة الحجب على البهاء. ثم تأخذ السرد معها في رحلةٍ إلى طفولتها، حين عانت من الهجر القهري بسبب انشغال والديها بمرض أختها الصغيرة، التي كانت مصابةً بالسرطان، ولم يكن لديها أي خيارٍ سوى الاستسلام لهذا التعتيم المجحف بحقها، لتضحي بغرائزها التائقة للاهتمام والحنان والثرثرة، فشبَّت قبل أوانها، لتصبح طفلةً وحيدةً، تقود دراجتها إلى المدرسة ذهاباً وإياباً، وتسرف في انعزالها الداخلي، إلى أن تلتقي ذات يومٍ، بعد أن تقع عن دراجتها جراء اصطدامها وتعثرها بتلميذَين داكنَي البشرة من مدرستها، يكبرانها بعامٍ واحدٍ، ويمدّان يد المساعدة إليها، ليصبح الثلاثة من بعدها دائرةً واحدةً متماسكةً، يشدّون من أزر بعضهم البعض، ويتّحدون في المواقف الحساسة.
شعورها الباطني يكشف لها
عن سرائر غريبة
وقد كانت إيدي محور الاهتمام الدائم بين الاثنين، وتزوَّجت من جيك، لكنّ شعورها الباطني يكشف لها عن سرائر غريبة، فهي تنجذب إلى رايان، الذي تهرع إليه بعد كل خلافٍ يصيبها مع جيك، الذي انتقل بها من لندن، حيث كانت تعمل بمرتبٍ كبير، إلى منطقةٍ نائيةٍ وبيتٍ جامد الملامح أورثه إياه والده، فاعتراها السقم، وتراكمت بينهما سدود المشاكل بسبب السأم وانقطاع جيك عن العمل بسبب رفض البرامج التلفزيونية لكتاباته، حتى انتقلت منذ أيامٍ للإقامة مع رايان، بعد أن عجزت عن تقبّل الهراء والشك منه، وتركته وحيداً في المنزل الكئيب عند الجرف.
تقرع الشرطة بابها لتنبئها بمقتل جيك، تشعر أنّ قلبها يتقافز ويكاد يتخلّع من صدرها. يعود إليها رايان لاحقاً، لتشعر بثقل الإحساس الغائم بالندم بينهما، بعد أن غاب عنهما جيك بطريقةٍ وحشية.
تأتي صديقتها لارا، التي تعرفت إليها في مسابقة العدو، لزيارتها، وعند رحيلها تنبُّئها المحققة بأنّه قد قُبِضَ على رايان، لأنّ أغراض جيك المسروقة وجدت مرميةً في النفايات على بعد أمتارٍ قليلةٍ من شقته، وأنّ أصابع الاتهام لا تفتأ تشير إليه.
رسائل غريبةٍ من مجهول
تغادر إيدي شقة رايان عائدةً إلى منزلها في الجرف، لتتفاجأ برسائل غريبةٍ من مجهول، يعيدها إلى طفولتها، فتفتح الحاسوب لتجد صورة فتاةٍ شقراء تدعى لويز، كانت تعرفها في صغرها، وقد عادت بذاكرتها إلى الموقف الشائن الذي عرضهم له، فقد اتهمت لويز رايان باغتصابها، بعد أن أمر جيك بأن يصوّرها، ولم ترَ إيدي ما حدث، فقد كانت قد آبت إلى المنزل، لكنّها بدّلت رأيها لتعود إلى صديقَيها، وتجد لويز ملقاةً على الأرض، وقد رفعت تنّورتها وبان سروالها، وهي تجهش بالبكاء.
ينكر الصديقان ادّعاء لويز، ويتوسلان إلى إيدي بأن تشهد لصالحهما، فتفعل، لأنّ لويز كانت بالنسبة لها فتاةً عابثةً فقيرةً، تبذل جسدها للجميع.
تظهر لويز فجأةً أمام إيدي، لتكتشف أنّها صديقتها لارا التي تغيَّرت ملامحها مع الزمن، ثم تستعرض لها ما حدث بعد أن تخلّت عنها لصالح رفيقيها، فقد حاولت الانتحار ونُقلت إلى مستشفى للأمراض النفسية، وخرجت بعد أن أبدت تحسناً واضحاً، لكنّ ندوب الماضي رافقتها على رغم من نجاحها وتألقها، فقرّرت أن تنتقم، وتقتل جيك بعد أن تقرّبت منه ليتهم رايان بمقتله. وعرضت على إيدي أن تعتذر لها مقابل إطلاق سراحها بعد أن قيّدتها، فتوافق إيدي كذباً، لتحاول بعدها أن تهاجمها، بعد أن تؤكّد لها أنّها استحقت ما جرى لها لأنّها كانت فتاةً مبتذلةً ورخيصة.
ينتهي مشهد الرواية على فتاتَين تزحفان نحو الجرف: إيدي التي تمهّد كثرة أناها لسقوطها الموشك، ولارا التي رشقتها سهام الجروح المبكرة بالانفصام الروحي.
المستغرب أنّ رايان يُحاكم بقتل صديقه وينال حكماً مؤبّداً بالسجن، وينتشر خبر إيدي بأنّها انتحرت بعد أن عجزت عن استيعاب الهزات الحياتية العنيفة التي تعرّضت لها، وتتألّق لارا بمزيدٍ من النجاح في حياتها.
قد تبدو النهاية صادمةً لتفوُّق المجرم على الظالم وإفلاته من العدالة، وكأنّ الكاتبة تقايض وجع الطفولة الذي وشمت به لارا بحياة الأبطال الثلاثة الذين خذلوها في مراحلها الأولى، وتبني جسور الحبكة تحت تخوم الارتداد الرجعي للألم.